28
- أكتوبر
2013
Posted By : admin
البطالة بقلم الدكتور خالد عبد الحق

تعتبر البطالة من الظواهر التي حازت على أهمية كبرى في مختلف المجتمعات المعاصرة, النامية منها والمتقدمة, باعتبارها آفة تنخر في جسد المجتمع, مما جعلها تحتل مكانا هاما في البحث والتحليل, لارتباطها المباشر بمختلف نواحي الحياة في المجتمع, سواء السياسية منها أو الاجتماعية أو الاقتصادية, فهي ليست مجرد ظاهرة اقتصادية قد تصيب المجتمع, وإنما هي ظاهرة إجتماعية تحمل أبعادا خطيرة على كافة المستويات, تعمل على خلق حالة من التشابك والتداخل في آثارها, التي تنسحب على الجوانب السياسية والأمنية بشكل يهدد الأمن القومي للمجتمع, فضلا عن آثارها النفسية التي تشكل أحدى عوامل هدم المجتمع ومعضلاته.

وإذا كانت ظاهرة البطالة قد شكلت معضلة المجتمعات في الماضي والحاضر, فهي اليوم وفي ظل الأزمات الاقتصادية العالمية تمثل الظاهرة الأخطر في معظم دول العالم؛ حيث تفشت بصورة غير مسبوقة تنذر بأخطار جسيمة, تهدد الاستقرار والسلم العالمي على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وإذا كان تأثيرها في الدول المتقدمة أقل حدة عما هي عليه في الدول النامية ومنها الوطن العربي؛ فإن ذلك يرجع إلى ارتباط هذه الظاهرة بتطور قوانين الحماية الاجتماعية في الدول المتقدمة, والتي تراكمت عبر مراحل تطور الحركة العمالية في هذه البلدان ونضالها, إلى جانب شمول النظرة التنموية ضمن إطار التخطيط الاستراتيجي الشامل, في حين أن الوطن العربي عانى ولا يزال من تخلف قوانين الحماية الاجتماعية من ناحية, وقصور خطط التنمية عن مواجهة هذه الظاهرة من ناحية أخرى؛ مما نتج عنه ما يمكن تسميته بأزمة التنمية في الواقع العربي؛ كنتيجة لافتقارها إلى المفهوم الشمولي للتنمية أو المشروع الحضاري القادر على تجاوز الأزمات ومن أهمها ظاهرة البطالة.

أما البطالة في فلسطين فهي تشكل حالة فريدة, ناتجة عن تراكم مكونات مركبة من السياسات الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء, ساهمت في رفع معدلاتها بشكل غير مسبوق وارتفاع في نسب الفقر؛ من خلال سياسات الاحتلال الاقتصادية التي عملت على إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي, وتدمير بنى هذا الاقتصاد, والحد من إمكانيات تطوره وتقدمه, والسياسات التي اتبعت ضد الطبقة العاملة الفلسطينية وخاصة في سوق العمل الإسرائيلي, في ظل انعدام قوانين الحماية الاجتماعية الفلسطينية, وغياب التخطيط التنموي السليم, واقتصار السياسات على معالجة الظروف الآنية والطارئة, والتي لم تسهم في بلورة تخطيط استراتيجي قائم على رؤية مستقبلية تعالج إشكاليات المجتمع الفلسطيني, وبالتالي فإن دراسة وتحليل البطالة في فلسطين تتطلب نمطا خاصا, يمكننا من الوقوف بشكل موضوعي على واقعها وأسبابها وخصائصها وتأثيراتها وأساليب مواجهتها أو الحد منها؛ ذلك أن الواقع الذي يعيشه المجتمع الفلسطيني في ظل أهداف الاحتلال وتطور مجريات الصراع معه يجعل من هذه التأثيرات عاملا هاما لتكريس واقع الاحتلال وسياساته الموجهة ضد المجتمع الفلسطيني من جهة, ويعمل على تقويض أركان وأسس بناء الدولة الفلسطينية من جهة أخرى

اترك تعليقاً