28
- أكتوبر
2013
Posted By : admin
الفقر بقلم الدكتور خالد عبد الحق

الفقر ظاهرة من أقدم الظواهر التي عانت منها المجتمعات البشرية, وتناولتها بالبحث والتمحيص معظم النظريات الاقتصادية والاجتماعية, وهي ترتبط تاريخيا بالفوارق والفجوات في الثروة, مما أوجد الفقر والغنى بين الأفراد والأمم, وجعل الفقر يمثل البعد السلبي لصور التمايز الاجتماعي وغياب المساواة وانعدام العدالة في توزيع الثروات, الأمر الذي جعله سببا مباشرا في تهديد الحياة والحضارات الإنسانية على مستوى الأفراد والجماعات والدول؛ ذلك أن التمايز الاجتماعي وعدم المساواة وغياب العدالة الاجتماعية والفقر ليست بالظاهرة الأبدية, أو التي يمكن وصفها بالحالة المتجذرة في النسق التاريخي لحياة المجتمعات والحضارات, أي بمعنى أنها ليست النتيجة المنطقية لتأصل عوامل بيولوجية قد يتوارثها الأفراد أوالمجتمعات, بل هي نتيجة لتفاعل أنماط تاريخية معينة تنعكس على الأفراد في المجتمع أو بين المجتمعات.

 إن مفهوم الفقر والغنى وما ينتج عنه من إرهاصات مجتمعية تقود إلى انعكاسات خطيرة على طبيعة العلاقات الاجتماعية من جهة, وعلى تفاعلات الحياة السياسية والاقتصادية من جهة أخرى, تجعل النسيج المجتمعي في حالة من التفكك والإنحلال, خاصة وأن هذا المفهوم قد ارتبط بشكل أساسي بحالة استئثار بعض أفراد أو فئات المجتمع بالحصة الأكبر من الموارد المتاحة على حساب الفئة الأكبر, مما ولد المجتمعات الطبقية, والتي من أبرز سماتها غياب العدالة الاجتماعية والتمايز واللامساواة وانعدام العدالة في توزيع الثروات والدخل, مما يجعل عوامل تشكيل هذا التمايز متداخلة ومتشابكة ولا يمكن فصل أي منها عن الآخر, أو التعامل مع إحداها بمعزل عن الآخر.

 وعلى ذلك أصبحت ظاهرة الفقر من الظواهر المستعصية على الحل في جميع دول العالم, وأصبحت من أخطر القضايا وأكثرها تعقيدا سواء في التحليل أو الحل أو استنباط وسائل المكافحة؛ ذلك أن مقاربة الفقر تنبع من السبب والنتيجة في آن واحد, فإذا كانت مسبباتها تنبع أساسا عن سوء توزيع الدخل, فإن معظم الأنظمة والنظريات والسياسات الاقتصادية اجتهدت وتناولت قضية إعادة توزيع الدخل كمدخل لمعالجة ظاهرة الفقر, من خلال تركيزها على الفرد باعتباره العنصر الأساسي من عناصر الإنتاج, أو تركيزها على المجتمع وإعادة المسئولية للدولة في عملية التوزيع.

 إن تفاقم ظاهرة الفقر على المستوى الدولي جعل منها ظاهرة قائمة في جميع دول العالم, سواء النامية منها أو المتقدمة, فهي إن كانت تتسم بالشمول وتغطي فئات كبيرة بشكل يبدو جليا وواضحا في الدول النامية, فهي أيضا تصيب الدول المتقدمة, وإن كانت بشكل أقل ظهورا ووضوحا؛ نتيجة لتطور قوانين الحماية الاجتماعية في هذه الدول وبشكل متفاوت من حيث شدة ونوعية الفقر وفقا لموارد المجتمع وآليات السيطرة والتحكم فيها وطريقة إدارتها وتوجيهها لهذه الموارد, وبالتالي فإن ظاهرة الفقر أصبحت أحد المؤشرات الهامة لتحديد الملامح العامة لاقتصاديات الدول, وفي الوقت نفسه فإن الدراسات الاقتصادية الخاصة بظاهرة الفقر تنظر إليها على من زاوية واحدة, والتعامل مع كل ما من شأنه التأثير في هذه الظاهرة بشكل كلي, لذلك نجد أن الدراسات الاقتصادية المرتبطة بقضايا التنمية تركز في مراحلها الأولى على تفسير أسباب الظاهرة, ومن ثم التخلص منها من خلال التصنيع وإعادة الهيكلة, مما يعني إغفال الفقر كظاهرة وعدم الاهتمام بالتوزيع العادل للدخل كأحد أوجه العدالة الاجتماعية, لذلك جاءت الدراسات الحديثة لتؤكد على أن ظاهرة الفقر من أهم محركات التغيير في المجتمعات, وقد تقود إلى الثورات, أو قد تشكل أحد أهم أسباب ومصادر التهديد للأمن والسلم.

 وإذا كانت ظاهرة الفقر تمثل أحد أوجه الاهتمام العالمي وتصيب كافة المجتمعات, فإن الفقر في فلسطين يتميز بخصوصية فريدة, ترتبط بطبيعة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها فلسطين منذ الاحتلال التركي والبريطاني والإسرائيلي من جهة, مما أوجد جملة من المركبات السياسية والاقتصادية التي اتبعتها قوى الاحتلال, والتي عجزت السلطة الفلسطينية عن إصلاحها أو التخلص من نتائجها, بل يمكن القول أن بعضها كان يفرض على السلطة الفلسطينية, مما جعلها بطريقة أو بأخرى تصب في أهداف الاحتلال, ومن جهة أخرى ارتبطت بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعتها السلطة الفلسطينية, والتي ثبت فشل تطبيقها في الواقع الفلسطيني, مما كرس ظاهرة الفقر في فلسطين, الأمر الذي يتطلب دراسة هذه الظاهرة بالنظر إلى خصوصيتها وطبيعة العوامل التي تؤثر فيها, وبشكل يبحث في أسبابها بشكل موضوعي, ويعالج هذه الأسباب ضمن آليات قابلة للتطبيق, وبالشكل الذي يغلب المصالح الاجتماعية على المصالح الاقتصادية لفئات تستنزف مقدرات الوطن, ويعمل على إصلاح منظومة السياسات الاقتصادية بشكل يسهم في الحد من ظاهرة الفقر في فلسطين.

اترك تعليقاً