20
- يناير
2014
Posted By : admin
تجربة الأسير المحرر شاهر سعد

    شاهر سعد من مواليد 28  حزيران 1957م، متزوج وله ثلاثة أبناء، درس شاهر سعد المرحلتين الابتدائية والثانوية في مدارس مدينة نابلس في مستهل العام 1973م، وكان له من العمر ستة عشر عاماً، وكان طالباً في مرحلة الدراسة الثانوية في مدرسة "الملك طلال الثانوية للبنين" عندما كلف مع مجموعة من زملائه في الدراسة من قبل الأخ عبد الإله الأتيري بتشكيل لجان طلابية للعمل الوطني داخل المدرسة.

 انتخب شاهر سعد من قبل المؤتمر العام الرابع لاتحاد نقابات عمال فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة الذي نظم يومي 7- 9 كانون الأول 2011م، أميناً عاماً لاتحاد نقابات عمال فلسطين، وهو أيضاً نائب لأمين عام الاتحاد الدولي لنقابات العمال في العالم، وهو أول عربي يحصل على جائزة نقابية رفيعة المستوى على اسم المرحوم (آرث سينسون)، وهي جائزة مرموقة تمنح للمبادرين والمتميزين في مجال خدماتهم وتضحياتهم من أجل العمال.

 

الاعتقال الأول

    في يوم 13 نيسان 1974م تم اعتقالي مع مجموعة من الطلاب، وتم إيداعنا في مركز شرطة نابلس، ومن ثم حولت إلى التحقيق المكثف في زنازين مخابرات نابلس على مدار 30 يوماً، وكانت الأسئلة الموجهة لي عن نشاطي داخل المدرسة وعن التنظيم الذي أنتمي إليه، وتولى التحقيق معي في تلك الفترة المحقق المعروف (أبو علي ميخا)، ومكثت في زنازين التحقيق شهراً كاملاً، أفرج عني في نهاية اليوم الثلاثين، لكني حرمت من العودة إلى نفس المدرسة، ما اضطر أهلي للبحث عن مدرسة بديلة لي، وبالفعل التحقت بمدرسة خاصة اسمها "النجاح الثانوية" مع مجموعة من زملاء الدراسة، كعماد الحجاوي وماهر العطوة رغم تخوف المدرسة من استقبالي في البداية؛ بسبب تهديدات احتلالية سابقة لها تحضها على منع طلابها من المشاركة بأي أنشطة.

 

الاعتقال الثاني

    في منتصف شهر آذار من العام 1975م أرسلت لي المخابرات الإسرائيلية طلباً مستعجلاً لمراجعة مكاتبها الواقعة في المبنى المعروف لأهل نابلس بـ "العمارة"، وفيما بعد سمي بالمقاطعة، فذهبت لمقابلتهم، فقال لي ضابط التحقيق: "أنت مشاغب وتحتاج إلى تأديب، ومن يوم وطالع عليك أن تثبت حضورًا يوميًا في هذا المكتب"، وفعلاً هذا ما تم، واستمر ذلك إلى أن اندلعت مظاهرات عام 1976م الشهيرة احتجاجاً على قيام سلطات الاحتلال العسكري الإسرائيلي ببناء مستعمرة (قدوميم) فوق أراضي المواطنين في كفر قدوم، والتي استشهدت خلالها الشهيدة "لينا سليمان النابلسي" بتاريخ 15 أيار 1976م، وهي الذكرى الثامنة والعشرون لنكبة فلسطين، وكان عمرها حينها خمسة عشر عاماً، وهي الفتاة الثانية بعد "شادية أبو غزالة" التي تسبب الاحتلال بقتلهما في نابلس بعد احتلاله الضفة الغربية عام 1976م، والثانية أيضاً على مستوى الضفة منذ ذلك العام بعد "منتهى عوض الحوراني" التي حطمت عظامها دروع الجيش الإسرائيلي في شوارع جنين عام 1975م.

 

    لقد ساهمت الظروف العامة والتي كانت سائدة في سبعينيات القرن العشرين ببناء شخصيتي الوطنية وصقلها، وكذا فعلت بشخصيات معظم أبناء جيلي من شباب وشابات، فلم يخلو يوم من أيام تلك السنوات إلا وكان يسقط فيه شهيد أو تنفذ فيه عملية فدائية بطولية، لقد مرت الضفة والقطاع المحتل بحالة مد ثوري عظيم لم تشهد فلسطين مثيلاً له، قوامه الرفض التام والكامل للاحتلال ووجوده.

 

    في العام 1976م نظمت بمبادرة من الجبهة الوطنية الفلسطينية التي تشكلت من فصائل م.ت.ف في العام 1973م أول انتخابات للمجالس البلدية في الضفة الغربية بعد الاحتلال، حدث ذلك في شهر نيسان 1976م وفاز ممثلوها بعضوية ورئاسة المجالس البلدية في الضفة الغربية، ولكن- وكما هو معروف للجميع- تعرضوا فيما بعد لأبشع أنواع الاعتداءات الهمجية على حياتهم من قبل أعضاء (التنظيم اليهودي السري) الذي قام بتفجير سيارات بعض رؤساء البلديات المنتخبين، كالمناضل "بسام الشكعة" يوم 2/6/1980م مما أدى إلى إصابته إصابة بالغة وبتر ساقيه فيما بعد، ونجاة رئيس بلدية البيرة "إبراهيم الطويل" من محاولة مشابهة في ذات اليوم، وإبعاد فهد القواسمي- رئيس بلدية الخليل ومحمد ملحم- رئيس بلدية حلحول إلى الأردن قبل شهر واحد من هذه الواقعة والموافق 2/5/1980م.

 

    مع نهاية النصف الأول من العام 1975م حصلت على شهادة الدراسة الثانوية العامة، وتقدمت بطلب التحاق للجامعة الأردنية، وحصلت على موافقتها، إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي منعتني من السفر، فاضطررت إلى التسجيل في مركز التدريب المهني، تخصص (مراقبة إنشاءات)، ومكثت في هذا المركز عامين حصلت في نهايتهما على شهادة الدبلوم في مجال الاختصاص، وحظيت بوظيفة في بلدية نابلس عام 1978م، وفي يوم 17 أيلول من السنة نفسها وقع الرئيس أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، فشاركت في المظاهرات التي خرجت منددة بالاتفاقية، فتم اعتقالي للمرة الثانية لمدة أربعة أشهر اعتقالاً إدارياً.

 

    بعد تحرري من هذا الاعتقال حصلت على وظيفة مشرف على الأبنية ومدرب لطلاب قسم الهندسة في جامعة النجاح، وفي منتصف العام 1979م بادرت إلى تأسيس نقابة العاملين في الجامعة، وساهمت في تأسيس نقابة المهن الهندسية عام 1981م، وفي نهاية هذا العام فرضت سلطات الاحتلال العسكري الإسرائيلي الإقامة الجبرية علي داخل منزلي، وتواصل هذا الحظر لمدة عامين كاملين، وفي هذه الفترة قيدت الإقامة الجبرية حرية العديد من الإخوة المناضلين، مثل الأخوين محمد عميرة وأمين مقبول.

 

    في العام 1983م بدأت أنشط داخل الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، وفي العام 1985م أجريت انتخابات عامة للاتحاد وترشحت لعضوية الهيئة الإدارية ففزت بها، وتوليت مهمة أمانة الصندوق داخل الهيئة الإدارية، في هذه الأثناء فرضت علي الإقامة الجبرية للمرة الثانية، وفي نهايتها اعتقلت إدارياً لمدة ستة أشهر في معتقل جنيد شرق مدينة نابلس، وخلال وجودي في المعتقل تم تحولي إلى التحقيق لدى مخابرات نابلس، ومكثت في زنازين التحقيق (95 يوماً)، تم ذلك بسبب اعتقال خلية من أعضاء التنظيم لهم صلات وثيقة بالعمل النقابي وهي الخلية التي عرفت بـ "خلية أمجد هاشم"، وهو مناضل معروف من مدينة جنين، لكن المخابرات الإسرائيلية تمكنت عند تفتيش مكتبه من العثور على بندقية (M16)، وهذه المخابرات تولد لديها قناعة بأنني مصدر تلك البندقية، رغم أن أمجد لم يدلِ بأي إفادة تشير إلى مثل هذا الاحتمال، وأنا بالمقابل لم أعترف بعلاقتي بتلك البندقية أو الخلية، والتي أذكر من بين أعضائها باير كميل، وعطا أبو ارميلة، ونايف خمايسة، وعاطف أبو الرب، والمرحوم قدورة موسى، ومحمد عبد كميل.

 بعد انتهاء التحقيق معي تمت إعادتي للاعتقال الإداري من جديد في معتقل جنيد، وجدد لي أمر الاعتقال أربع مرات متفاوتة، وفي النهاية أفرج عني في شهر تموز 1987م.    

 

الانتفاضة الأولى

كما هو معروف كان للنقابات دور هام في هذه الانتفاضة، بسبب ذلك ساهمت كأمين عام لاتحاد نقابات عمال فلسطين في فعالياتها كما ينبغي لدوري أن يكون، وتم اتخاذ قرار مهم في تلك اللحظات مفاده بأن يم تحويل موازنات الاتحاد لدعم فعاليات الانتفاضة وتعزيزها.

 

الاعتقال الثالث

    حدث ذلك في شهر نيسان من العام 1988م حيث قامت قوات كبيرة من الجيش والمخابرات الإسرائيليين بدهم بيتي وتفتيشه، وتم اقتيادي مباشرة إلى معتقل طولكرم، وتم التحقيق معي حول تهمة تمويل نشطاء الانتفاضة، ومن طولكرم نقلت إلى معتقل عتليت، ومنه نقلت إلى معتقل عوفر، ومنه إلى معتقل النقب.

 

    كان معتقل النقب معتقلاً غريباً علي، كما كان كذلك بالنسبة لكل الأسرى الذين دخلوه للمرة الأولى؛ لاختلافه عن باقي المعتقلات التي نعرفها من قبل، كان معتقلاً كبيراً ومترامي الأطراف، ويقبع في أقسامه آلاف الأسرى الأبطال، وكان نصيبي أن أستقر في قسم (ب)، وكان ممتلئا بالمناضلين والقادة الوطنيين المعروفين، مثل: نايف سويطات، وعدنان الضميري، ولؤي عبده وغيرهم.

 في هذا القسم زارنا ذات يوم قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال الإسرائيلي يتسحاق مردخاي، وطلب محاورة بعض الأسرى، فكنت واحدًا منهم ومعي آخرون، فعرض علينا التفاوض مع إسرائيل باسم سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، فكان ردنا الفوري بالرفض المطلق، وأخبرناه بأن لنا عنوانًا سياسيًا معروفا لكم هو "م.ت.ف"، وكرر هذه المحاولة وزير الحرب إسحاق رابين فيما بعد مع أسرى آخرين، وفي هذا المعتقل استشهد أمامنا اثنان من زملائنا هما: بسام السمودي وأسعد الشوا قتلاً بالرصاص الحي.

حدث ذلك في يوم 16 آب 1988م عندما اقترب الملازم (راتس) من بوابة قسم الأشبال طالباً منهم خروج بعضهم إلى العمل الإجباري في ورش الجيش المجاورة، وقال الملازم راتس لممثل القسم أريد عشرين عاملاً وفوراً، ممثل القسم قال له: "الأسرى قرروا الامتناع عن العمل"، فعاد الملازم أدراجه ليخبر إدارة المعسكر بما سمع، فعاد من جديد إلى القسم ومعه قوة كبيرة من الجنود، وفتحوا باب القسم وطلبوا من الأسرى الامتثال لأمر التعداد الأمني، فجلس كل من في القسم على الأرض، وبدأ راتس باختيار بعضهم وأخرجهم منه، أما الأسرى في القسم المقابل فإنهم يشاهدون ما يحدث لزملائهم، والدم يغلي في عروقهم أجمعين، فبدأ راتس ومعه باقي الجنود بضرب الأسرى الذين أخرجوهم أمام زملائهم في القسمين المتقابلين، وسمع كل هؤلاء بآذانهم نداء الاستغاثة الصامت الصادر عن الذين يتعرضون للضرب أمام ناظريهم، وبسرعة استجاب الجميع لهذا النداء، فانطلقت شرارة الانفجار مع تعالي صراخ الأسرى في القسمين المتقابلين، ولاحقاً باقي الأقسام، وبدأ الأسرى كافة عن بكرة أبيهم بإلقاء الحجارة على الجنود، وتحول المعسكر بجميع أقسامه إلى بركان يقذف حمماً من الغضب.

لقد تملك الخوف والذهول الملازم راتس والجنود الذين معه، فهربوا من القسم وتركوا الأسرى خلفهم، بينما الصرخات تتعالى وتشتد لأن الأقسام الأخرى البعيدة عن مكان الحدث لا تعلم ماذا يجري، لكنها تعرف ما هو المطلوب منها، وهو مواصلة الهتاف والصراخ وإلقاء الحجارة، في هذه الأثناء عاد راتس إلى القسم ومعه مدير المعسكر الكولونيل (ديفيد تسيمح) ومعهم عشرات الجنود والمجنزرات والسيارات المزودة بمعدات إطلاق المياه، وجميع هؤلاء مدججون بالأسلحة وقنابل الغاز، فبدأت المعركة بين الجانبين، الأسرى بأيديهم العزل وبحجارة النقب الملساء الصلبة وبعض أواني الطعام والأحذية، مقابل الهراوات والأسلحة التي تطلق الرصاص الأعمى في كل اتجاه، وتعالت سحب الدخان الأبيض فوق الخيام فبدا المشهد من بعيد وكأن حريقاً اشتعل داخل الأقسام.

 

في هذه الأثناء ظهر قائد المعسكر تسيمح، وكان في حالة عصبية واضحة بسبب ما يحدث؛ لأنه لم يتوقع أن يرى مثل هذا الأمر يوماً ما، وتولى على الفور إعادة توزيع الجنود، واستل من يد أحدهم بندقية أم 16 قصيرة وبدا أكثر شراسة وعدوانية من باقي الجنود، وبدأ بالسب والصراخ على الأسرى: "أيها الكلاب توقفوا وإذا كان بينكم رجل فليواجهني ويقف أمامي"، فتصدى له أسعد الشوا، فأرداه في مكانه، فنفرَ الدمُ من صدره ساخناً، فخضب الرمل بحمرته القانية، سمع الجميع صوت الرصاص، وقلة من الأسرى الثائرين لاحظوا سقوط أسعد، لكن القريبين منه رفعوا من وتيرة الصراخ فتجدد قصف الجنود بالحجارة والأحذية، أما تسيمح فذهب إلى مكان آخر من أرض المعركة فوقف أمام خيمة أحد الأسرى وهو الشهيد "بسام السمودي"، ومرة أخرى تسيمح يستل بندقية أحد الجنود القريبين منه، ويتكئ كقناص محترف بجانب خزان المياه المثبت على قاعدة حديدية، ويصوب بندقيته نحو الخيمة، ويطلق رصاصتين منها لتستقران في صدر الشيخ بسام السمودي.

 

التحرر من الأسر

    في نهاية شهر آب 1988م أفرج عني من معتقل أنصار 3، فقام الجنود بعد خروجي من بين الأسرى بتكبيلي بالقيود، ووضعوا عصبة من قماش على عينيي، عندها أحسست بأنه يتم اعتقالي من جديد وليس الإفراج عني، لكن حافلة الجنود توقفت بالقرب من مفرق الظاهرية إلى الشرق الجنوبي من مدينة الخليل، وهناك تم إنزالي ومعي أسرى آخرون، وتركنا الجنود وانصرفوا، لقد كان تصرفاً فاشياً بامتياز لأننا لا نعرف هذه المنطقة، ولا نعرف فيها أي أحد، لكن فرج الله كان قريبًا، من بعيد لمحت أناسًا قادمين نحونا، وعرفت من بينهم الحاج سمور النتشة، وهو زميلي في اللجنة الإدارية للاتحاد العام، وكانت فرحتي كبيرة برؤيته، إذ أنقذنا من متاهة كان مقدراً لي أن أدخلها حتماً، وعلمت منه أن نابلس تخضع لحظر التجوال في هذه اللحظات، وعلي المبيت في الخليل، وهذا ما حصل. في صبيحة اليوم التالي غادرت الخليل، وعندما وصلت مشارف نابلس كان حظر التجوال ما زال مفروضاً عليها، لكنني تمكنت من دخولها ووصلت بيتي سيراً على الأقدام.

 

بعد رفع نظام حظر التجوال زارني الناس مهنئين ومستفسرين عن أبنائهم في المنفى الصحراوي في أنصار؛ لأن زيارات الأهل لأبنائهم الأسرى فيه كانت ممنوعة من قبل سلطات الاحتلال خلال كامل سنوات الانتفاضة (1987- 1992م)، بعد عدة أيام عدت لممارسة نشاطي النقابي والتنظيمي في مكان غير مقر الاتحاد المعروف؛ لأنه كان مغلقاً بطبيعة الحال بأمر من الحاكم العسكري لمنطقة نابلس.

 

    لقد كان عام 1989م عام الاتصالات التنظيمية والسياسية المباشرة مع القيادة الفلسطينية، والتي كانت سابقاً محصورة بشخص المغفور له الشهيد "أبو جهاد"، من خلال الأخوين زهير مناصرة وأمين مقبول، ولن أنسى أبداً وصية "أبو جهاد" لي، في رسالة وصلتني منه في منتصف العام 1986م بأن أضاعف اهتمامي بالعمل النقابي، ومن أجل هذا التفرغ خصص لي راتباً شهرياً مقداره مئة دينار أردني، وهذا يعبر بطبيعة الحال عن اهتمام القيادة الاستراتيجي بالعمال وهمومهم.

 

    في نهاية العام 1989م تلقيت رسالة من الأخ القائد ياسر عرفات بوساطة الأخ إبراهيم قراعين-  رئيس المكتب الفلسطيني (مجلة العودة)، وكان مضمونها تقريباً مشابها لما طلبه مني الشهيد أبو جهاد في الرسالة التي أشرت إليها سابقاً حول الاهتمام بالحركة العمالية في الداخل المحتل.

 

في رسالة لاحقة جاءني تكليف من القيادة الفلسطينية في تونس لكي أصبح ضمن الفريق الفلسطيني الذي سيقابل وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز، الذي كان يزور الضفة الغربية في ذلك الوقت، لكن هذه الزيارة لم تتم بسبب تدخلات إسرائيلية فظة في تركيبة الوفد الفلسطيني.

 

    في بداية العام 1990م اتصل بي السفير المصري في إسرائيل محمد بسيوني، وطلب مني ملاقاته في مكتب الأخ إبراهيم قراعين في القدس الشرقية، وفعلاً اتصل بي إبراهيم قراعين في صباح اليوم التالي وقال لي بأن السفير بسيوني بانتظاري في مكتبه، فتوجهت لمقابلته، وأخبرني بأنه مكلف بإخباري بأنني مدعو للسفر إلى القاهرة لمقابلة ياسر عرفات مع قادة فلسطينيين آخرين من الداخل المحتل، منهم الأخوان: فيصل الحسيني وسري نسيبه، وعضو الكنيست العربي عبد الوهاب درواشة الذي كان يحمل مشروعاً من إسحاق رابين للرئيس عرفات متمحورًا حول ضرورة قبول القيادة الفلسطينية دخول المفاوضات بوفد أردني فلسطيني مشترك.

وبالفعل بعد إنهاء الترتيبات اللازمة من قبل السفارة المصرية مع إسرائيل توجه الوفد الفلسطيني إلى مطار اللد ومن هناك سافر إلى القاهرة، وكان المرحوم عرفات بانتظارنا، لقد كان اللقاء الأول لي معه، وأعتقد بأن باقي الزملاء باستثناء فيصل وسري كانوا على الحالة نفسها، مضى الربع الأول من ساعة اللقاء وأنا تحت وقع الصدمة، صدمة لقاء المناضلين برمزهم وقائدهم الأسطوري المجهول بالنسبة لهم، والذي ظهر أمامهم فجأة بقوام كامل من لحم ودم.

انتبه الرئيس عرفات لحالة الذهول التي أصابتني، فبدأ بمداعبتي ليخبرني بأنني في علم ولست في حلم، وكان لمبادرته هذه أثر مهم، لقد لامست يده الطاهرة وجهي وأنزلي من شرودي إلى حيث أجلس قبالته وجها لوجه، هكذا بدأ اللقاء السياسي الحميمي والتنظيمي الأبوي المعبأ بالدفء والولاء،

فوجه لنا ما يريد من أسئلة، وأجاب كل منا في مجال اختصاصه، وسألنا عن رأينا بالتحديات التي تواجه المنظمة في ذلك الوقت، واستمع لوجهة نظرنا حول ذلك، وخاصة حول المقترح الداعي إلى أن يكون الوفد الفلسطيني مدمجاً بوفد أردني، أو أن يكون وفداً خالصاً من شخصيات الداخل المحتل، فأخبرناه بأننا نتمسك بـ "م.ت، ف" ممثلا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وقد سره ما سمع منا كثيراً، واطمأن إلى أن كل محاولات إسرائيل وأمريكيا لفصل الداخل عن الخارج قد ذهبت أدراج الرياح.

أما أنا فسألني كثيراً ومطولاً عن أحوال الحركة النقابية الفلسطينية، وعن أحوال عمال وعاملات فلسطين، فأجبته بما يجسد الحقيقة المجردة بين يديه، وهكذا فعل باقي الزملاء، وأوصاني بالشباب والعمال والنقابات خيراً.

ومن القاهرة سافرت إلى بريطانيا تلبية لدعوة من اتحاد نقابات عمال المملكة المتحدة في سكوتلندا، وهناك قابلت العديد من الوجوه والشخصيات البريطانية المتعاطفة مع قضيتنا، وهناك أيضا تعرفت إلى شاب فلسطيني لن أنساه أبداً اسمه "يوسف علان"، فكان آلة كاملة من العمل والنشاط والحيوية، وكان مشتعلاً ومنشغلاً بحب الوطن والعودة للديار.

بعد ذلك عدت إلى فلسطين وحصلت على دعوة جديدة من النرويج لحضور مؤتمر (LO) وهو اتحاد نقابات عمال النرويج، إلا أن الإسرائيليين منعوني من السفر، مما أثار غضب النرويجيين الذين تدخلوا بقوة لدى وزارة الخارجية الإسرائيلية التي ساهمت في بدورها في إزالة المنع عن سفري وسمح لي بالسفر، ومن الطريف أن أخبرك بأن الذي هاتفني ذات مساء من وزارة الخارجية الإسرائيلية ليخبرني بموافقة إسرائيل على السماح لي بمغادرة البلاد إلى النرويج هو "بنيامين نتنياهو"، وكان حينها في منصب مدير عام وزارة الخارجية، حيث قال لي بالحرف الواحد: "نأسف لمنعك سابقاً من السفر، ومن الآن وصاعداً يسمح لك بالسفر إلى النرويج".

       بعد أن أنهى نتنياهو حديثه معي، وكان ذلك في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، دق جرس الهاتف من جديد، وكان المتصل السفير النرويجي في إسرائيل، فأخبرني بدوره بما أخبرني به نتنياهو. في اليوم التالي حضر السفير بنفسه إلى نابلس وطلب مني أن أجهز حقيبة سفري وأتوجه إلى مكتب وزارة الداخلية الإسرائيلية المجاور لمكتب جريدة الفجر في القدس الشرقية؛ لكي أحصل على وثيقة (السيباسي)، وهي وثيقة يحصل عليها المغادرون إسرائيل من مطار اللد، وبالفعل وصلت إلى هناك ومعي حقيبتي، واستلمت وثيقة (السيباسي)، وفي المطار تم وضع التأشيرة عليها، وسافرت إلى النرويج، وهنك حظيت باستقبال حافل ودافئ من قبل الأصدقاء النرويجيين، وفي هذا البلد قابلت العديد من المسؤولين النرويجيين كرئيس الوزراء ووزير الخارجية النرويجيين، والسيد سندي جرين- المسؤول النرويجي الذي تابع خروجي من فلسطين طيلة الفترة الماضية.

العمل الدبلوماسي في صلب العمل النقابي

    خلال الفترة الواقعة بين 1989 – 1993م كان للعمل الدبلوماسي الداخلي والخارجي نصيب الأسد من إجمالي نشاطي السياسي والنقابي، كانعكاس لمحورية الدور النقابي الذي أقوم به في فلسطين إلى جانب العديد من الشخصيات الفلسطينية البارزة وفي مقدمتهم د. سري نسيبه- رئيس الطواقم الفنية الفلسطينية التي أرست أسس وزارات وهيئات السلطة المختلفة، وقد كلفت من قبل الأخ د. سري نسيبه ورئاسة الطواقم بإعداد ورقة عمل حول مسودة "قانون العمل الفلسطيني" المأمول، وقد نوقشت تلك المسودة في جلسة خاصة لوزراء العمل العرب في جامعة الدول العربية، وأوصوا بصلاحيتها وبضرورة تطويرها والبناء عليها،  وورقة أخرى حول الصيغة المثلى لوزارة عمل فلسطينية عصرية، في ضوء ذلك قابلت العديد من الشخصيات العربية والعالمية المختلفة، منهم: د. بطرس بطرس غالي- وزير خارجية مصر، والذي أصبح فيما بعد أميناً عاماً لهيئة الأمم المتحدة، وجيمس بيكر- وزير الخارجية الأمريكي، ووزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، وغيرهم من قادة عماليين وبرلمانيين، مثل: عضو البرلمان البريطاني جورج غالوي الذي قابلته لأول مرة عام 1988م، وفاسلاف هافل- رئيس جمهورية التشيك، وأعضاء كنيست عرب وإسرائيليين، وتواصل نشاطي هذا ولم ينقطع للحظة إلى يومي هذا.

  

وكلفت من قبل الأخ الرئيس أبو عمار بعضوية الوفد الفلسطيني المكلف بحضور مؤتمر السلام في مدريد 1991م، وبعد ذلك قابلت المغفور له الأخ الرئيس ياسر عرفات في عمان وأخبرني بأن هناك اتفاقا سوف يتم الإعلان عنه قريباً، ومطلوب مني العمل داخل مجال اختصاصي لتوفير الدعم والمساندة اللازمة له، وبعد ذلك دعيت مع العديد من القادة الوطنيين في الداخل المحتل لحضور جلسة المجلس المركزي التي ناقشت اتفاق أسلو لإقراره.

التفرغ للعمل

    بعد تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية تفرغت للعمل في الاتحاد العام، وقد بدأت بتنفيذ خطط التطوير التي كان وجود الاحتلال يحول دون إنفاذها، فتم افتتاح المقرات المغلقة، وتم بناء مقرين رئيسين: الأول في الضفة والثاني في غزة، وبدأنا ننفذ خطوات تدريجية ومتصاعدة لشراء مقرات خاصة للفروع، ونفذنا برامج واسعة النطاق لتدريب كوادر المقر العام والفروع وتأهيلهم، وأصبح لدينا اليوم كادر وظيفي محترف وفعال، وتمكنا من إعداد دليل تدريبي خاص بنا لتدريب العمال، وشارك الاتحاد في المؤتمرات المحلية والإقليمية والعالمية التي تخص العمال كافة، وأصبح لدينا شبكة علاقات دولية قوية وراسخة على مستوى العالم، وأسسنا النقابات المركزية في مختلف المناطق، وتمكنا من عقد أول مؤتمر عام 1994م، وتمكنا من إنجاز قانون العمل الفلسطيني المعتمد، وقانون الحد الأدنى للأجور، والضمان الاجتماعي، واتفاقيات العمل الجماعية، وإنفاذ لوائح الصحة والسلامة العامة، ونحن اليوم بصدد تنفيذ مشروع "إسكان" للعمال مع بداية العام 2014م، وتوسيع دائرة الضمان الاجتماعي لتعزيز العامل الفلسطيني وتمكينه.

وأنا اليوم أشغل مهمة أمين عام منتخب لاتحاد نقابات عمال فلسطين من قبل المؤتمر العام الرابع للاتحاد في الضفة الغربية وقطاع غزة الذي نظم يومي 7- 9 كانون الأول 2011م بحضور ممثل رسمي عن السيد الرئيس محمود عباس، والسيد رفيق النتشة، ورئيس الوزراء الفلسطيني د. سلام فياض، ووزير العمل الفلسطيني،  والأمناء العامين للفصائل والقوى السياسية الوطنية، وأعضاء من المجلسين الوطني والتشريعي، وممثلين عن المؤسسات الوطنية الرسمية والشعبية، ومندوبين عن الاتحاد الدولي للنقابات في العالم، وممثلين عن عشرة اتحادات نقابية دولية من أوروبا وآسيا  والولايات المتحدة الأمريكية وأمريكيا اللاتينية.

بالإضافة إلى انجاز العديد من الأمور الهامة منها وأهمها عملنا الدؤوب والمتواصل لإقرار قانون الحد الأدنى للأجور، الذي كان شعار المؤتمر العام الرابع للاتحاد، كما وتمكنت من نسج مجموعة هائلة ووثيقة من العلاقات العربية والدولية المتميزة، كعلاقتنا مع الإتحاد العام لنقابات عمال مصر والإتحاد العام لنقابات عمال الأردن والإتحاد العام لنقابات عمال لبنان والإتحاد العام لنقابات عمال البحرين والإتحاد العام لنقابات عمال الكويت والإتحاد المغربي للشغل والإتحاد العام لنقابات عمال العراق والإتحاد العام لنقابات عمال تونس. وعلاقتنا المتميزة والوثيقة مع (الكونفدرالية العمالية العالمية ITUC) وغيرها من النقابات الدولية على مستوى العالم، بلغ مجموعها أكثر من 187 منظمة نقابية دولية.

وأنا أيضاً نائب أمين عام الاتحاد الدولي لنقابات العمال في العالم، وأنا العربي الأول الذي يحصل على جائزة نقابية رفيعة المستوى على اسم المرحوم "آرث سينسون"، وهي جائزة مرموقة تمنح للمبادرين والمتميزين في مجال خدماتهم وتضحياتهم من أجل العمال.

 

اترك تعليقاً