29
- أكتوبر
2013
Posted By : admin
مقدمة في واقع سوق العمل الفلسطيني بقلم الدكتور خالد عبد الحق

لعل أهم ما يميز الاقتصاد الفلسطيني عن غيره من الاقتصاديات العربية أو العالمية, هي تلك الخصوصية التي ارتبطت بشكل مباشر بسلسلة القوى المتعاقبة التي حكمت المجتمع الفلسطيني, بدءا من الاحتلال التركي وصولا إلى الاحتلال الإسرائيلي, والتي عملت بمجملها على إلغاء وتدمير القاعدة التنموية السليمة, التي كان من الممكن لها أن تظهر, إضافة إلى ندرة الموارد والإمكانيات, مما جعل هذا الاقتصاد يرتبط ارتباطا وثيقا بالاقتصاد الخارجي والمجاور, وخاصة الاقتصاد الإسرائيلي, مما جعل الاقتصاد الفلسطيني يعاني من التشوه والاختلال, وتعمق ذلك في فترة الاحتلال الإسرائيلي, الذي عمل على إحكام قبضته عليه وتدمير مقومات نموه أو تنامي بناه التحتية .

 

      شهد الاقتصاد الفلسطيني, ومنذ الأيام الأولى للاحتلال الإسرائيلي عام 1967, خطة منهجية محكمة هدفت لربطه بالاقتصاد الإسرائيلي وجعله تابعا له, من خلال تدمير البنى الاقتصادية القائمة والسيطرة على مقوماته واستغلال موارده البشرية وتحويلها إلى مساهم أساسي في سوق العمل الإسرائيلي,  ترتب عليه آثار انعكست على واقع الاقتصاد الفلسطيني, وعملت على تقويض إمكانيات تطوره, وحولت المجتمع الفلسطيني إلى سوق استهلاكي للمنتجات الإسرائيلية, وفي الوقت نفسه سخرت قواه العاملة لخدمة اقتصادها, مما انعكس بشكل جلي في المراحل اللاحقة على خطط التنمية للسلطة الفلسطينية .

 

      أدت السياسة الإسرائيلية التي اتبعت ضد سوق العمل الفلسطيني إلى تعاظم مستويات الأجور المدفوعة في سوق العمل الإسرائيلي بالمقارنة مع مستويات الأجور في سوق العمل الفلسطيني, وقد تجلى ذلك في مستويات الأجور المدفوعة للعاملين في القطاع الزراعي, خاصة مع واقع المنافسة الشديد للمنتجات الزراعية الإسرائيلية لما يماثلها من المنتجات الفلسطينية, مما أدى إلى زيادة أعداد العاملين بالزراعة في إسرائيل من جهة, وهجرة العديد من المزارعين لحقولهم, وبالتالي التسارع الحاد في زيادة عدد العاملين بأجر, وتعاظم عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل, مما ولد حالة من الاعتماد المطلق على سوق العمل الإسرائيلي, أضف إلى ذلك الحالة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية في فترة السبعينيات من القرن الماضي, والمتمثلة في تزايد هجرة الكفاءات العلمية إلى الدول العربية النفطية, مما أدى بالتبعية إلى تأثر الاقتصاد الفلسطيني بشكل مباشر بالهزات والتقلبات التي يمر بها الاقتصاد الإسرائيلي, والتأثير في طبيعة التركيبة المهنية للعمال الفلسطينيين؛ وذلك لتركزها في مهن معينة تعتمد على حاجة سوق العمل الإسرائيلي كنتيجة أولية لتباين مستوى الأجور .

 

     تعرض الاقتصاد الفلسطيني في ظل الاحتلال لجملة من التغيرات الدراماتيكية المتناقضة, ففي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي حقق معدلات نمو مرتفعة, كان يمكن لها أن تكون الدعامة الأساسية والخطوة الأولى نحو تحقيق تنمية مستدامة في الأراضي المحتلة, وفي الوقت نفسه خضع لمجموعة محددات وضغوط كان لها الأثر الكبير في عرقلة تطوير الاقتصاد وإعاقة توجيهه نحو تنمية مستدامة وسليمة, وذلك بالتركيز على تحويل المناطق الفلسطينية إلى سوق استهلاكية للمنتجات الإسرائيلية, ترافق ذلك مع فرض الضرائب الظالمة على المنتجات الفلسطينية, مما أدى إلى تكريس تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي وتدمير الصناعة الوطنية ومكافحة أي خطوات نحو تحقيق النمو الاقتصادي.

 

      بقي الاقتصاد الفلسطيني في مراحل تطوره المختلفة يعاني من الضعف والاختلال, ففي حين بقيت مساهمة القطاع الصناعي والزراعي محدودة جدا في الاقتصاد الوطني, نجد أن الميزان التجاري بقي يعاني من خلل واضح وعجز دائم, معتمدا في تكوين الدخل وتصريف فائض القوى العاملة وتوفير السلع الاستهلاكية والتخلص من فائض السلع على مصادر خارجية, ولعل أبرز مظاهر هذا الضعف عدم قدرة الاقتصاد الفلسطيني على استيعاب قوة العمل, مما خلق فائضا من العمالة عجز سوق العمل الفلسطيني عن استيعابهم .

 

     ومن الأمور التي لا بد من الإشارة إليها في هذا السياق أن البطالة في فلسطين في ظل الاحتلال تميزت بانخفاض مستوياتها, ولم تصل في أسوأ الأحوال إلى 1 % , وتراوحت نسبتها بين 0.7% — 0.8% حتى عام 1984 حيث بدأت نسبة البطالة بالارتفاع ووصلت إلى 2.7% عام 1984 وارتفعت في عام 1993 إلى 6.7% , إلا أن هذه الأرقام لا تعكس حقيقة وضع البطالة التي غالبا ما يحكمها اعتبارات سياسية تهدف إلى تجميل صورة الاحتلال وترتبط باختلال آليات قياس البطالة ومفاهيمها, ويعود السبب الرئيسي لارتفاع نسب البطالة خلال الفترة من 1984 – 1993 إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987, وما رافقها من ممارسات إسرائيلية, أهمها سياسة الإغلاق التي انتهجت في السنوات الأخيرة من عمر الانتفاضة, وإجراءات تشغيل ودخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل, وحالات التنكيل والمجازر التي ارتكبت بحقهم ومنها مجزرة عين قارة عام 1990 .

 

     ورثت السلطة الفلسطينية ومنذ قيامها واقعا مريرا وأمراضا مزمنة عانى منها سوق العمل الفلسطيني, وبقي الاقتصاد الفلسطيني يعاني من عدم القدرة على احتواء العمالة الفلسطينية , سواء القائم منها أو من دخل حديثا إلى سوق العمل وفقا للتطور الطبيعي للقوى العاملة, حيث أسهم في ذلك تراجع الطلب على العمالة الفلسطينية في سوق العمل الإسرائيلي, نتيجة لحالات الحصار والإغلاق التي مارسها الاحتلال وما آلت إليه نتائج حرب الخليج الثانية والتي كان من أبرز نتائجها عودة أعداد كبيرة من العاملين الفلسطينيين في دول الخليج , يضاف إلى ذلك عودة العائدين وفقا لاتفاق أوسلو 1993 , حيث حاولت السلطة الفلسطينية وأجهزتها استيعاب جزء من فائض العمالة, إلا أن هذا الاستيعاب بقي محدودا.

 

     ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أيضا أن نسب الزيادة في حجم البطالة قد تسارعت وتائرها في ظل السلطة الفلسطينية بشكل ملحوظ , حيث تفاوتت هذه النسب ما بين 12% و 23% في الفترة ما بين عام 1995 وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000؛ إذ جاء هذا التفاوت نتيجة للممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني بوجه عام وضد الطبقة العاملة بشكل خاص, والتي جاءت نتيجة لمجمل الظروف السياسية التي رافقت هذه الفترة, وخاصة أحداث هبة النفق 1996 وتصاعد العمليات المسلحة في الداخل الإسرائيلي, في حين أن فترات الاستقرار التي سادت المنطقة في الفترة ما بين 1999—2000 وما رافقها من حالة الانفراج السياسي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية, والتي كادت أن تتوج باتفاق سياسي بينهما خلال محادثات كامب ديفيد 2000 , أدت إلى نمو ملحوظ في الاقتصاد الفلسطيني رافقه انخفاض في معدلات البطالة والتي عادت إلى الارتفاع مع اندلاع انتفاضة الأقصى .

 

     عايش الاقتصاد الفلسطيني أسوأ مراحله بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000, حيث دخل في أزمة عميقة استمرت طوال الاثني عشر عاما الماضية, وتكرست هذه الأزمة مع بروز النزاع السياسي العنيف وخاصة في قطاع غزة في الفترة ما بين عامي 2005 – 2007, والتي نتج عنها حالة الانقسام السياسي بين جناحي الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة, والذي كان من أهم نتائجه فرض الحصار الإسرائيلي التام على قطاع غزة, والقيود الشديدة التي فرضت على حرية الحركة والتنقل للأفراد والبضائع والخدمات.

 

     ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة ما شهده الاقتصاد الفلسطيني من ارتفاع مطرد في نسب البطالة,  بلغت مستويات تعتبر الأعلى في العالم, والتي بلغت ذروتها بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 ووصلت إلى ما يقارب 30%, مما يعكس المدى الذي وصله الفلسطينيون في الافتقار إلى فرص العمل, فقد ارتفعت نسب التشغيل للعمالة المحدودة إلى أكثر من 25%, وصاحب ذلك تراجع غير متناسب ومطرد في تشغيل الشباب وفي المشاركة الاقتصادية, حيث بلغت مشاركة القوى العاملة الشابة عام 2009 نسبة 33% ( ارتفعت إلى 36% عام 2010 ), كما أدت إلى حالة من انعدام أو ضآلة النمو المستدام في حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي, وتراجع الأهمية النسبية للقطاع الصناعي العمود الفقري للتنمية , وانخفاض الدخل المكتسب من العمل مع انخفاض الأجور الفعلية والتي وصلت نسب انخفاضها إلى 10 – 30 % نتيجة للفقدان الحاد لفرص تشغيل الأيدي العاملة غير الماهرة, والتي كانت تجد لها سوقا رائجة في سوق العمل الإسرائيلي, فقدته مع عزل وحصار قطاع غزة تحديدا وإغلاق سوق العمل أمام فلسطينيي الضفة, وفي الوقت نفسه أثرت هذه الأزمة على المناخ الاستثماري العام في الأراضي المحتلة, وأسهمت في هروب الاستثمارات ورءوس الأموال نحو البلدان الأكثر أمنا واستقرارا .

 

     وعلى ذلك فإن من الواضح أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني من العديد من العوائق والمحددات, التي تعطل مسيرة العملية الإنتاجية نحو تأمين الاحتياجات المتزايدة للمجتمع الفلسطيني, والتي تشمل القيام بالأعباء الاقتصادية اللازمة لبناء الدولة ومؤسساتها وتحفيز القطاعات الاقتصادية الداعمة للاقتصاد وتوفير فرص العمل التي تتوافق مع عرض القوى العاملة, مما يترتب على هذه المحددات فرض أعباء على عاتق الشعب بصورة عامة وعلى عاتق رجال الاقتصاد والسياسة بشكل خاص .

 

اترك تعليقاً