بيان صادر عن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين
بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عمالة الأطفال:
“طفولة فلسطين بين إبادة غزة واستغلال المستوطنات
يأتي اليوم العالمي لمناهضة عمالة الأطفال هذا العام وفلسطين تواجه تصعيداً خطيراً في معدلات انخراط القاصرين في سوق العمل، خاصة في الضفة الغربية التي ترزح تحت وطأة حصار مالي واقتصادي ممنهج. إن تقطيع أوصال المدن بالحواجز العسكرية وحرمان آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم قد دفع بالعائلات الفلسطينية إلى حافة العوز، مما أجبر الكثير من الأطفال على ترك مقاعد الدراسة والتوجه نحو المهن الشاقة والبيع العشوائي لتأمين المتطلبات الأساسية للمعيشة، في ظاهرة تنذر باستنزاف خطير لمستقبل الموارد البشرية الفلسطينية.
وفي سياق متصل، يرصد الاتحاد العام ظاهرة كارثية تتمثل في استغلال الأطفال الفلسطينيين داخل المستوطنات الإسرائيلية، لا سيما في قطاعات الزراعة والتمور بالأغوار، فيما يرقى لكونه “عبودية حديثة”. إن هؤلاء الأطفال يتعرضون لظروف عمل لا إنسانية تحت أشعة الشمس الحارقة وبأجور زهيدة، دون أي حماية قانونية أو تأمينات صحية، فضلاً عن مخاطر التعرض للمبيدات الكيماوية السامة، حيث يتعمد مشغلو المستوطنات استغلال فقر الأسر الفلسطينية لتشغيل أطفالها في أعمال خطرة تحرمها كافة القوانين والاتفاقيات الدولية.
أما في قطاع غزة المكلوم، فإن حرب الإبادة الجماعية الممنهجة قد خلقت واقعاً مأساوياً تجاوز كافة الخطوط الحمراء؛ حيث أدى التدمير الشامل للمنظومة الاقتصادية والتعليمية إلى دفع الأطفال نحو الشوارع للعمل في ظروف قاسية لا تحتملها أجسادهم الغضة. إن هذه الإبادة لم تكن عشوائية، بل استهدفت تجريف سبل العيش الكريم، مما أدى إلى قفزة مرعبة في معدلات عمالة الأطفال كاستجابة قسرية لسياسات التجويع والتهجير القسري التي فرضها الاحتلال على مئات الآلاف من الأسر.
وقد أفرزت هذه الحرب ظاهرة “الطفل المعيل” بشكل استثنائي، نتيجة استشهاد آلاف الآباء والأمهات في عمليات القتل المباشر. إن غياب رب الأسرة وضع على عاتق الأطفال مسؤولية تأمين الرغيف والماء وسط الركام، ما جعل الطفل الفلسطيني يشيخ قبل أوانه ويقايض حقه في التعليم بساعات عمل طويلة وخطرة في جمع الحطب أو التنقيب بين الأنقاض، في محاولة يائسة لسد رمق أشقائه اليتامى وتوفير أدنى سبل البقاء لعائلته المنكوبة.
وإلى جانب الفقد، تبرز مأساة الأسر التي أصبح معيلها عاجزاً عن العمل بسبب الإصابات الجسيمة والإعاقات الدائمة التي خلفها القصف الصهيوني؛ حيث أدى وجود آلاف الجرحى الذين بترت أطرافهم إلى دفع الأبناء قسراً لسوق العمل لتعويض عجز الآباء. هذا التحول القسري في الأدوار داخل الأسرة يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ويضع عبء الحياة الثقيل على كاهل الفئة الأضعف، مما يعمق الجرح الاجتماعي والنفسي في وجدان الجيل الناشئ.
إن الاتحاد يحذر من أن العمل الذي يمارسه أطفالنا اليوم، خاصة في غزة، هو “مغامرة بالموت” في بيئات ملوثة ببارود القذائف وبين الركام الآيل للسقوط، بعيداً عن أدنى معايير السلامة المهنية. إن الآثار الصحية والنفسية طويلة الأمد، جراء الحرمان من التعليم والتعرض للاستغلال الاقتصادي والنمو في بيئة من العمل الشاق، تهدد بضياع جيل كامل، ما لم يتحرك المجتمع الدولي فوراً لوقف هذه الانتهاكات وحماية حق الطفل الفلسطيني في حياة كريمة وآمنة.
ختاماً، يطالب الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين منظمة العمل الدولية والاتحادات النقابية العالمية بفرض عقوبات على الاحتلال لانتهاكه مواثيق حماية الطفولة، ويدعو لتقديم دعم مالي وعيني مباشر للأسر المتضررة لتمكينها من حماية أطفالها من غول العمالة القسرية. إن كرامة الطفل الفلسطيني هي جزء لا يتجزأ من كرامة العامل، ولن يتوقف نضالنا النقابي حتى يعود كل طفل إلى مقعده الدراسي، وتستعيد الأسرة الفلسطينية أمنها الاقتصادي المفقود على طريق الحرية والاستقلال.
الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين



